سهيلة عبد الباعث الترجمان

431

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

التطرف إلا أن الحب عنده هو الجامع والموحّد للقلوب جميعها على حب الألوهية ، حب اللّه للعبد وليس العبد فقط هو المحب للذات الإلهية كما يرى ابن عربي ، بل أن الذات الإلهية هي أيضا لها تعلّق بالخلق لأن الخلق صورها ومجاليها مهما اختلفت وتعددت مظاهرها ، فالحق يبادل الخلق حبا بحب واشتياقا باشتياق ، بل إن شوقه إليهم أشد قوة من شوقهم إليه ، فهو أوجدهم من ذاته حين كشف عن كنزيته المخفية " وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أوضح دليل على ربه ، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه " « 1 » ، ولذلك يرجع الخلق وهم الفرع إلى أصلهم وهو الحق الذي أحبهم ومنّ عليهم بجوده وكرمه وكل ما أرادوه ، ولذا فتعلقه بهم كتعلقهم به تماما ، وذلك لنفخه الروح فيهم فكان بذلك شوق بشدة إلى ما أودعه في هذا العبد وهو الروح لأنه جزء منه ، فشوق الحق لهؤلاء المقرّبين مع كونه يراهم فيجب أن يروه ، ويأبى المقام ذلك " « 2 » . وهذا طلب عزيز المنال لاستحالة رؤيته تعالى ، ولهذا حصر هذا اللقاء والرؤيا للعبد بلقاء ربه عند الموت فقال : يحنّ الحبيب إلى رؤيتي * وإني إليه أشدّ حنينا وتهفو النفوس ويأبى القضا * فأشكو الأنين ويشكو الأنينا « 3 » ولما كان النفخ الإلهي في العبد من روحه تعالى ، فشوقه ليس إذن لهذا البدن الفاني لشدة المادية التي يعيش فيها ، إنما شوقه إلى تلك الجذوة الإلهية النورانية التي بعث بها الخلق ، وهي الروح ، وهي جزء منه ، فكان شوقه إلى جزئه الذي من نفسه فقال : " فإن اللّه أحبّ من خلقه على صورته وأسجد له ملائكته النوريين على عظيم قدرهم ومنزلتهم وعلوّ نشأتهم الطبيعية " « 4 » فحبه إذن حب ذاتي انعكس منه عليه فظهر في خلقه لأنهم خلقوا من النفس الرحماني الذي هو نفح الروح فيهم . وهكذا فإن حبه لم يكن في دائرة مقفلة بل عن طريق الصور التي هي بالنسبة للحق كالمرايا التي يرى الحق فيها نفسه ، ورؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 215 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 215 . ( 3 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، ص 56 . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 216 .